الكلمة المستهان بها
تخيل عَبداً يقف في عرصات القيامة، ممتلئاً بالطمأنينة وهو يرى صحيفته بيضاء، تزدحم بصلوات الليل، وصيام الهواجر، وختمات القرآن، وألوان الطاعات التي أفنى فيها عمره
يرى الجنة أمام عينيه ويكاد يخطو نحوها بفرحة الطائع الفائز
وفجأة.. يرتفع صوتٌ من بين الخلائق ينادي باسمه: "يا ربّ، خذ لي حقي من هذا!"
يلتفت العبد بذهول ليجد نَفساً كان قد استهان بها في الدنيا، نَفساً ربما لم يكن يلقي لها بالاً، أو يراها أقل منه شأناً وعفة
يتقدم ذلك الخصم ليقتطع من جبال حسناته طيلة سنين حياته، ليس لأن هذا العبد سرق مالاً أو سفك دماً، بل لأنه في لحظة غضب، أو طيش، أو مجلس تسلية، أطلق للسانه العنان ورمى ذلك العرض بكلمة..
كلمة واحدة قذفها بها دون بينة، وظن أن الأمر مرّ وانتهى بمجرد خروج الكلمة من فمه
إنها صدمة المُفلس التي حذر منها الشارع الحكيم؛ حيث تُهدم جبال العبادات الشاهقة في لحظة واحدة بسبب استسهال الخوض في أعراض العباد
ومن هنا نفتح هذا التقرير لنتأمل كيف جعل الإسلام "القذف" خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، مهما كانت هوية المقذوف أو حاله
القذف من السبع الموبقات
لم يترك الإسلام مجالاً للتهاون في أعراض الناس
فجعل القذف في مرتبة واحدة مع الكفر والسحر وقتل النفس
الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ»
و الموبقات تعني المهلكات التي تهلك صاحبها في الدنيا والآخرة
الفخ الأكبر
أكبر خطأ نقع فيه عندما نربط بين "أخلاق الشخص" وبين "حقنا في قذفه"
تجد من يقول: "لكنها متبرجة، أو سلوكها سيء، أو حتى غير مسلمة، فما الذي سألوثه في عِرضها؟"
هذا هو الفخ الخفي يوم القيامة لن تُحاسب بناءً على ملف أخلاقها هي، بل ستُحاسب على "الكلمة" التي خرجت من فمك أنت
قد تكون هي عاصية أو على غير الإسلام، وهذا حسابها مع ربها، لكن بمجرد أن ترميها بالفاحشة دون أربعة شهود رأوا الأمر رأي العين، فقد نقلت المعركة لتصبح بينك وبين الله
العدل الإلهي لا يجامل
الله حَرّم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً، ولم يقل "إلا مع العاصي أو الكافر". يوم القيامة، القصاص يقوم على حقوق النفوس؛ وكل نفس قذفتها وظلمتها –أياً كانت– ستأخذ حقها منك حتماً
خسارة لا تعوض
تخيل حجم الغبن؛ أن تأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وتعب سنين، ثم تضطر أن تتنازل عن حسناتك الغالية وتُعطيها لامرأة كنت تراها في الدنيا "عديمة شرف" أو "غير مسلمة" فقط لأنك لم تملك لسانك!
المسألة ليست دفاعاً عنها، بل هي خوفٌ عليك أنت؛ فهل تستحق أي نفس في الأرض أن تهبها حسناتك وتخسر جنتك لأجلها؟
خطورة الموقف يوم القيامة
تخيل أن تقضي سنين حياتك كلها في الصلاة، والصيام، والعبادة، وقراءة القرآن، ثم تأتي يوم القيامة وتُحرم من دخول الجنة بسبب كلمة خرجت من فمك لم تلقِ لها بالاً!
المسألة أكبر مما تتصور؛ فالجنة لا تُدخل وهناك مظلمة واحدة معلقة في رقبتك لنفس لم تسامحك
الدليل من القرآن الكريم: قال تعالى في وعيد القاذفين
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
الدليل الفاصل من السنة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»
تأملوا الحديث جيداً
صام، وصلى، وزكى... جبال من الحسنات تتبخر وتذهب لخصومه (ومنهم من قذفها واستهان بأمرها) لمجرد أنهم لم يسامحوه، حتى يطرح في النار
تذكير بما نعرفه و نتجاهله
في نهاية هذا التقرير، دعنا نكون صادقين مع أنفسنا
كل ما كُتب في السطور السابقة ليس بالأمر الجديد، ولا بالمعلومات الفقهية المعقدة التي تحتاج إلى سنوات من الدراسة لفهمها
إنها بديهيات يعلمها الصغير والكبير فينا فكلنا نحفظ حديث المفلس، وكلنا نعلم أن أعراض الناس خط أحمر، وأن الظلم ظلمات يوم القيامة
ولكن، المصيبة الكبرى لا تكمن في الجهل، بل في
التجاهل العمد
إننا نعيش في زمن استسهل فيه الكثيرون إطلاق الأحكام والاتهامات عبر الشاشات وفي المجالس، وكأن الكلمات خلف الستار الإلكتروني أو بين الأصدقاء بلا ثمن، أو كأن معصية الطرف الآخر تعطينا صكاً شرعياً لنهش عرضه
نستمر في القذف ونحن نعلم عاقبته، نغمض أعيننا عن الحقيقة الواضحة كالشمس لمجرد إرضاء كبرياء، أو انتصار في جدال تافه، أو لمجرد التسلية وتجميع الإعجابات
هذا التقرير لم يأتِ ليعلمك ما لا تعرفه، بل جاء ليكون مجرد تذكير لنفسي ولك
تذكير يوقظنا قبل أن نستيقظ على واقع مرير يوم القيامة
تذكير بأن أعراض العباد حفرة عميقة من حفر النار، والوقوع فيها مهلكة مروعة
تأمل معي للحظة أخيرة قبل أن تغلق هذه الصفحة
هل هناك إنسان واحد على وجه الأرض، أياً كان، يستحق أن تخسر لأجله تعب عمرك، وصلاتك، وصيامك، وتُحرم بسببه من دخول الجنة؟ الإجابة واضحة في قلبك. فاحذر أن تقف غداً أمام الله مُفلساً، طريداً، ليس لأنك لم تعبد الله، بل لأنك لم تملك لسانك
وكما قال النبي ﷺ كلمته الجامعة التي تختصر كل هذا التذكير: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»


الله يبعدنا عن كل حرام.
هذا الجيل و مش الجميع يستهينوا بكل شي على ابسط فيديو او بوست تشوف قذف و سب الله يبعدنا عن كل حرام يارب