الإنسان بطبعه يمضي في هذه الحياة بقلبٍ عجول، وعقلٍ مشغول بالتفكير
يزن الأيام بميزان اللحظة، ويقيس الخير والشر بظواهر الأمور، فإذا تأخرت أمنية ظنّ أنها أُغلقت، وإذا أُصيب في نعمة توهم أنه حُرِم منها
لكنه يغفل عن حقيقة دافئة أن الله عز وجل ينسج تفاصيل حياتنا بخيوطٍ من الرحمة الخفية، وأن لطفه أسرع إلينا من ظنوننا، بل إن كثيراً مما نراه بلاءً أو تأخيراً ليس إلا ترتيباً إلهياً دقيقاً ينتظر أوانه الجميل
من هنا تأتي سورة الكهف، لتكون بمثابة عينٍ ثالثة يرى بها الإنسان العالم، وماءٍ باردٍ يُطفئ حيرة قلبه في منتصف كل أسبوع
حين قال النبي ﷺ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ"
لم يكن النبي ﷺ يخبرنا عن أجرٍ ننتظره في الآخرة فحسب بل كان يهدينا أدواتٍ للعيش في الدنيا
هذا النور ليس ضياءً تُبصره الأعين، بل هو فرقانٌ وسكينةٌ يسكنان القلب
نورٌ يُكفكف دموع العبد حين يتساءل لماذا حدث هذا معي؟
ويجعله يرى من خلال ضباب الفتن والأحداث المتسارعة أن ثمة يداً رحيمة تُدبّر هذا الكون
فقراءة السورة كل جمعة هي تعتبر مثل غسل العين عن الغشاوة
بمثابة إعادة ضبط لبصر العبد، كي لا يزن أقدار الله بـ موازينه القاصرة
ولكي لا يحكم العبد بسطحية، ولا يضيق صدره أو يضعف إيمانه بسهولة
في تلك الرحلة العجيبة بين نبي الله موسى والعبد الصالح (الخضر)، يحصل العبد على التفسير الحقيقي لكيفية جريان المقادير في حياته وفي ابسط الأمور
{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}
خرقٍ حدث في سفينة حياتك فبكيت عليه؟
تعطل مشروع، ضياع فرصة، كسرة قلب، أو تأخر شيء أردته بشدة فيظن العبد أنها النهاية، بينما كان الله يعيبُ أسبابه الظاهرة ليحمي أصله، ويصرف عنه ظالماً أو شراً كان ينتظره في عرض البحر وهو لا يعلم عنه شيئاً
{وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا}
كان هذا الصبي سيغدو سبباً في هلاك إيمان والديه وشقائهما الأبدي فسُلبت منهما النعمة الظاهرة حمايةً لقلبيهما وآخرتهما
والنفس البشرية بطبيعتها تتعلق بالأشياء، سواء بشخص أو مال أو مكان، لكن الله ببالغ حكمته ينزعهم من حياة العبد ليس قسوةً عليه، بل لأنه يعلم أن بقاءهم سيُفسد روحه، فيحرمه ليعطيه ما هو أطهر وأبقى
{وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْـزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَاكَنْـزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}
لاحظ هذه العبارة العميقة: {حَتَّى يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا}
لو انكشف الكنز والأطفال صغار لُسرق منهم وتاهوا في الحياة
لكن الله لم يمنع الكنز عنهم، بل حجبه تحت جدارٍ سميك وقتاً من الزمن حتى ينضجا ويصبحا قادرين على حفظه و إنفاقه
كثير من رزق العبد ودعواته وأحلامه لم تبتعد عنه
هي فقط تحت الجدار ليُصلح الله أسبابها ويرتب له الظروف حتى يبلغ أشدّه النفسي والروحي فينالها العبد
في الوقت الذي تصبح فيه بركةً عليه لا فتنة
{وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}
لماذا يجزع العبد؟ ولماذا يضيق بالأقدار و يدخل في حكم سب الدهر؟
الإنسان كائنٌ محكومٌ بحدوده الفطرية يرى اللحظة فقط ويفهم بحدودها ويقيس الأمور بما يملكه من معارف قاصرة
فحين تقع عليه المصيبة أو يتأخر عنه المطلوب، يندفع عقله فوراً لتحليل المشهد بناءً على المعطيات الظاهرة فقط دون التفكير في احتمالية وجود فرج أو حل للمشكلة وهذا هو عين الجزع
وهنا تكمن مشكلة العبد يحكم على كتابٍ كامل من خلال صفحة واحدة، ولا يفكر باحتماليات الانفراج
رأى موسى عليه السلام خرق السفينة أذى لأن عقله وقف عند حدود اللحظة (ماء يدخل وسفينة تغرق)
ورأى قتل الغلام جريمة لأن مدركاته لم تتجاوز ظاهر المشهد (طفل بريء يُقتل)
ورأى بناء الجدار هَدراً للطاقة لأن الظرف المحيط كان ينطق بالاستحقاق (قومٌ لئام أباة)
استنكار موسى وهو كليم الله ونبيه العظيم
يُثبت للعبد أن الجهل ببواطن الأمور يولد الاعتراض حتى عند أعلى النفوس مقاماً
فكيف بنا نحن؟ كم مرة اتهمنا القدر بالقسوة؟ وكم مرة قال العبد في داخله لماذا أنا؟ ولماذا لست أنا؟
خاصة عند رؤية ما يشتهيه عند شخص آخر وكم مرة يبكي العبد على رزقٍ فُقد، فقط لأنه قاس الحكمة الإلهية المطلقة بعقله البشري في حالة هلع وجزع؟
يقول الخضر لموسى بأسلوبٍ فيه إعذارٌ وإشفاق كيف أطالبك بفضيلة الصبر، وأنت لا تملك أداة الصبر الأولى وهي (الإحاطةبالخبر)؟
أن تصبر بعد أن تنكشف لك الحكمة فهذا اسمه فهم واستبصار
أما أن تصبر وأنت لا تدري أين الخير، وتتألم ولا تفهم السبب، ولكنك متكئٌ على ثقتك بربك فهذا هو الصبر والإيمان
{ذَلِكُ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}
كلمة (تأويل) تعني الرجوع بالأمر إلى حقيقته وغايته التي أُعدت له لتخبر العبد بأن لكل ألمٍ يعيشه اليوم تأويلاً سيُكشف له يوماً ما
إما في الدنيا فيسجد قلبه شكراً وحمداً لله، أو في الآخرة فيتمنى لو أن كل أقدارك كانت على غير ما أردت
مسؤولية العبد الوحيدة هي السعي، وترك الإحاطة بالخبر لرب الخبير العليم
وفي نهاية المطاف، تجيء سورة الكهف كل أسبوع لتُعيد ترتيب الروح والنفس البشرية من الداخل، ليتجدد عهد الثقة بين العبد وربه، وليدرك العبد أن الله الذي حفظ كنز اليتيمين بصلاح أبيهما، والذي حمى أصل رزق المساكين بخرقٍ مؤقت، والذي سلب الغلام ليمنح الأبوين رحمةً أوسع
هو الله ذاته الذي يُدبّر أمره في هذه اللحظة
ليخرج العبد من يوم الجمعة وقد أضاء الله له النور ما بين الجمعتين
نورٌ لا يُبدد ظلمات الفتن والوساوس والهلع فحسب، بل يُطفئ نيران القلق في صدره، يستقبل أيامه القادمة بقلبٍ هادئ، ونفسٍ مطمئنة، ولسانٍ يفيضُ بالرضا
الحمد لله الذي يختار لنا خيراً مما نختار لأنفسنا، ويدبر أمرنا بأحسن مما نتمنى


مقال رائع جدا جدا وفيه حكم عظيمة اغلبنا يغفل عنها ويعتبر انو سورة الكهف مجرد سورة تُقرأ سنة عن النبي فقط لا غير .. ولكن بهذا المقال نعرف عظمة وحكمة انو الرسول صلَّ الله عليه وسلم كان يقرأها 🌷🩷
طلعلي هالمقال و ما احس انه صدفه ، احسنت النشر 🙏🏼